اختفى وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان، واختفى فيه حاكم النظام اللبناني، ومهندس ''المزرعة- الوطن'' طيلة ربع قرن الأخير·
مائة سؤال، أو ربما أكثر طرحت، وستطرح· مات؟ لم يمت؟ انتحر؟ لا نحر؟ قتل؟ لم يقتل؟ اغتيل؟ من اغتاله؟ موال للأسد؟ معارض للأسد؟ جزء من صفقة سورية-مصرية -سعودية؟ أم هو الصفقة؟ اختاره الأميركيون بديلاً؟ لا قتلته إسرائيل ربما؟ ولماذا الآن؟ هل أحب الحريري؟كيف يحبه ويأخذ منه مالاً حراماً؟ وتسريبة إحدى القنوات اللبنانية القاضية، هل هي ضده، ومستمسك يدينه، أم أنها ضد الحريري ووثيقة قد يتم المقايضة بها وعليها؟ وتلك الشيكات بمئات ملايين الدولارات، الشاهد الأخرس على سرقة شعب عانى مر العيش وفقد أولاده غربة وموتاً وقهراً، وسيفقدهم ديناً عاماً، ووطناً برسم الرهن الى حين السداد· هل تلك الشيكات حقيقة أم توريطة؟
أسئلة وإشاعات وأطروحات، ضجت بها المدن والفضائيات والجرائد· الكل يريد أن يدلي بمخيلته، أو بمصلحته· الكل يريد أن يضرب ضربته قبل موعد البوح الميليسي·
الكل يلعب دور ''أبو العريّف'' ولكن قلة تعرف، بما سينطق به القاضي ديتليف ميليس· الذين يدعون أن ميليس يسرب تحقيقات أو مسودات التحقيقات، أو أنه يسر الى هذا الوزير بكلمة أو لذلك النائب بكلمتين، لابن الحريري بمعلومة وللرئيس السنيورة بواقعة كل هؤلاء مخطئون· مخطئون لأنهم يتصورون أن القضاء في البلاد المتحضرة يشبه القضاء في بلادنا، وأن ابتسامة القاضي أو تعاطفه مع الحقيقة يعني أنه بات صديقاً، وبات بإمكاننا التحدث باسمه والجزم بما سيكون بصوته·
في اعتقادي أن كل ما قيل عن التحقيق الميليسي حول قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ورفاقه الشهداء معه، وبعده، لا يمت الى ما سيبوح به القاضي الألماني في الأسبوع المقبل· كلام ميليس سيضيء شمعة في عتمة الأسئلة المطروحة، حول القاتل والقتلة، وحول أسباب تغييب اللواء غازي كنعان·· ولا ندري من سيغيب بعده·
إن أصدق كلمة ربما نطق بها اللواء كنعان في بيانه الأخير -إذا أثبتت بصمة الصوت أن الصوت صوته وأن البيان الأخير غير ممنتج - قوله: ''أخذنا من لبنان الكثيروأعطينا''· لقد أنصف اللواء قبل تغييبه لبنان واللبنانيين، فلا منة بعد اليوم··
إلا أن الشك يبقى محيطاً بإخراج فيلم انتحار اللواء غازي كنعان· فيلم عربي، ضعيف، ساذج، فيه مؤثرات صوتية لا تخدع الأذن، ولا تقنع العقل والمنطق ولا يمكن للقلب أو الحدس أن يصدقها·
ولو كنت مكان أولاد كنعان الستة لما طالبت برفع دعوى قضائية ضد ديتليف ميليس، فهذه ''مسخرة''، ورد فعل غير مدروس على ''موت'' غير مفهوم· لو كنت مكانهم لطالبت ميليس بالتحقيق في موت كنعان، ولحاولت تطهير اسمه، ورد ما للبنانيين للبنانيين وما للسوريين للسوريين، وما لآل كنعان لآل كنعان، ليخلد اللواء مرتاحاً أينما كان· فلا الأشجار المنتقاة ولا السيف الذي أصر أن يدفنه معه ولا رفات والديه ستشفع له يوم الدين·


